مقالات

الأستاذ خالد حشوان يكتب للعربي عن اليوم الدولي للصداقة

أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2011م اعتماد يوم 30 يوليو كيوم عالمي للصداقة وذلك خلال الدورة الخامسة والستين للجمعية (وقد يختلف تاريخه في بعض الدول) واضعة في اعتبارها أن الصداقة بين البلدان والشعوب والثقافات والأفراد يمكن أن تصبح عاملا ملهما لجهود السلام وفرصة لبناء الجسور بين المجتمعات المختلفة واحترام الثقافات المختلفة والمحافظة على الروابط الإنسانية، لذلك شجعت الأمم المتحدة الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع الدولي للقيام بأنشطة ومبادرات يمكنها المساهمة في جهود تعزيز الحوار بين الحضارات المتنوعة والتضامن والتفاهم والتقارب والمصلحة.

وتعرف الصداقة بأنها علاقة اجتماعية تربط شخصين أو أكثر بالثقة والمودة والتعاون وهي مشتقة في اللغة العربية من الصدق لأنها علاقة إنسانية مبنية على أسس متينة كالصدق والمحبة والإخلاص والولاء واللطف والتفاهم والتناغم، وتتميز الصداقة بهذه الصفات الشخصية الإيجابية وتظهر غالبا في الأوقات الصعبة.

وتعتبر الصداقة من أسمى وأعظم العلاقات والروابط الإنسانية بين البشر وكنز من كنوز الدنيا لصعوبة الحياة دون أصدقاء حقيقيين يشاركون الإنسان لحظات الفرح والسرور والحزن والألم وهم مصدر أساسي من مصادر السعادة والبهجة، وسراج ينير عتمة الطريق، وهي من أعذب المناهل التي تساعد على مواجهة مصاعب الحياة والاستمتاع بها.

ولنا أن نفخر نحن المسلمون بأن الإسلام قد أسس مبدأ الصداقة قبل أكثر من 1440 عاما من الزمان وضرب لنا أروع قصص الصداقة بين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وأصحابه وخاصة أبا بكر الصديق -رضي الله عنه-   حيث بدأت علاقتهما قبل الإسلام بصداقة حميمة لم تبن على علاقة رحم أو مصالح مادية أو أغراض دنيوية بل كان حبا في الله -عز وجل-  تخلله توافق عجيب بين هاتين الشخصيتين في الصفات أدى إلى تجاذب وتناغم جميل وكأنهما روحا واحدة في جسدين تشابهت في الأخلاق والأفعال والطباع، وكان أبو بكر هو أول من آمن بالرسول عليه الصلاة والسلام من الرجال ودعمه ووقف معه لأنه رأى دلائل النبوة في صاحبه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ولإيمانه بصدقه وأمانته واستمرت هذه الصداقة بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام في مكة مرورا بالهجرة وهما في الغار كما لقب بالصاحب في الآية الكريمة التي قال الله تعالى فيها { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} (التوبة- 40) وكان -رضي الله عنه-   من أكثر الصحابة عرضة للأذى بسبب مرافقته الدائمة للنبي عليه الصلاة والسلام ودفاعه عنه بنفسه وماله منذ إسلامه وحتى موت النبي عليه الصلاة والسلام حيث رافقه في هجرته وغزواته وفي الحضر والسفر، وقال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-    “إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا”(صحيح مسلم).

وكما نعلم أن الصداقة تؤثر بشكل عام على تربية الإنسان وسلوكه إيجابا أو سلبا لذلك تجد أن أغلب المنحرفين والمدمنين والمجرمين كان سبب انحرافهم هو صداقتهم لأفراد سيئين أودت بهم إلى الرذيلة وطريق الانحراف عن القيم الإنسانية والمجتمعية والدينية، بعكس الصداقة الحقيقية التي تؤدي إلى الصلاح والاستقامة ومراقبة الله في السر والعلن وهو ما أكدته أغلب الدراسات المختصة بهذا المجال.

ومما لفت نظري في هذا الموضوع هي أحاديث المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام والتي فيها من التوجيه والإرشاد النبوي الكثير وتدل على حرصه عليه الصلاة والسلام لتعليم أمته ما ينفعها في دينها ودنياها في اختيار وتكوين علاقات صداقة طيبة ومثمرة تحث على التواصل والتواد والصداقة بين المسلمين، فقد قال عليه الصلاة والسلام “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل “(أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد)، أما الحديث الآخر والذي يأتي بصيغة الأمر في قوله عليه الصلاة والسلام “لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي”(رواه الألباني).

وأختم بخير الكلام وهو كلام رب العزة والجلال عن الأخلاء يوم القيامة في سورة الزخرف بقوله تعالى {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} (الآية- 67)، فكل خلة كانت في الدنيا تجدها يوم القيامة عداوة إلا خلة المتقين.

يقول الشاعر محمود سامي البارودي:

ليس الصديق الذي تعلو مناسبه …

بل الصديق الذي تزكو شمائله…

إن رابك الدهر لم تفشل عزائمه…

أو نابك الهم لم تفتر وسائله…

@HashwanO

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. كلام راقي وادلة عظيمة.
    هناك صداقات وعلاقات وقتية نعتقد انها ستندثر وتنتهي الا انها تولد من جديد. لذلك يجب أن ننتبه الى تأسيس علاقاتنا على الصدق والأمانة والاحترام مع الحرص على تقييم سلوك الطرف الاخر

زر الذهاب إلى الأعلى