الصحةمقالات

“القانون وتعطيل البناء والتنمية” بقلم: د. أحمد بن صالح البرواني

Advertisements

يبدو الأمر من الغرابة بمكان، وبلا شك فلا يتصور أن يعيق القانون عملية البناء والتنمية، فلقد أوردت في إحدى المقالات السابقة جزء من خطاب المغفور له أعز الرجال وأنقاهم الموجه لكبار رجال الدولة في 15/5/1978م، حيث قال جلالته: “لقد وُضعت قوانين لهذه الدولة وذلك للمحافظة على مصالح الشعب”، وأكد جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه سيره على نهج المغفور له جلالة السلطان قابوس بن سعيد عليه من الله شآبيب الرحمة والمغفرة، وبالتالي فإن القوانين يجب أن توضع وأن تنفذ لمصلحة الشعب وليس ضده وضد أمنه بالمعنى العام للأمن والذي يشمل جميع أنواع الأمن: من أمن اجتماعي واقتصادي وفكري وسياسي … إلخ.

ومن خلال بعض الوقائع التي قدّر الله تعالى أن أطلع عليها، أرى وفق فهمي القاصر وقصر نظري وقلة علمي أن القانون يقف عائق في سبيل تقدم المجتمع ونماءه بل يكون القانون سببًا لضياع الحقوق وانهيار المنظومة الاجتماعية، ولعلي في سبيل غيرتي على وطني وحُبي له ولمن يعيش فيه ولمن يحبه ويسعى لتطويره وأرجو من الله ألا أكون غير ذلك، أطرح هذه الإشكالية والتي هي بالتأكيد محل نظر الجهات الحكومية وعلى رأسها مولانا جلالة السلطان المعظم، فهو الساهر على أمن وأمان الوطن والأمين المخلص على نموه وتطوره وتوفير كل ما من شأنه راحة أبناءه والمخلصين له.

سأتحدث في هذا المقال عن جانبين مهمين للغاية، فالاقتصاد القوي من الأعمدة الرئيسية لبناء أي دولة ولذا سأتحدث عن قانون الاستثمار والذي يجب أن يعدل لينص على أن تنشأ هيئة للاستثمار توكل إليها كل ما يتعلق بالاستثمار من جذب للاستثمارات وتحديد المجالات التي يتاح للاستثمار الأجنبي العمل فيها والأهم من ذلك أن تكون لدى الهيئة جهة للفصل في منازعات الاستثمار بحيث تحل المنازعات بعيدًا عن القضاء الذي نكن له كل التحية والتقدير، ولكن نظرًا لطول أمد النزاع فإن المستثمرين الأجانب تأثروا كثيرًا بطول أمد حل المنازعات وهذا بلا شك يؤثر سلبًا على جذب المستثمرين، كما أن هناك أمر هام يجب سرعة البت فيه وهو اختلاف القوانين لدى الجهات المختصة في السلطنة وهو ما يضع المستثمر في دوامة من المراجعات للجهات، فمثلاً استثمار في مشروع صناعي في احدى المناطق الصناعية، وبعد الموافقة عليه قام المستثمر بإنجاز البناء وجلب الأجهزة والمعدات للعمل، واستخرج التصاريح لاستقدام عمال من خارج السلطنة، ليجد أن قوانين الهجرة لا تسمح له باستقدام عمال من جنسية معينة إلا بما نسبته 10% من مجموع العاملين بالرغم من جلوسه مع المعنيين وعرض وجهة نظره كاملة لهم، وتوقيعه لاتفاقية الاستثمار في السلطنة بعد ذلك، ولذا فإن إنشاء هيئة للاستثمار ستوجد توحيدًا للقوانين والقرارات المنظمة للاستثمار من جميع جوانبه وستتولى الأمر بكل ما يتعلق بالاستثمار والمستثمرين، وستعمل أيضًا على حل المنازعات بطرق أسهل وأيسر وفي وقت أقصر، وفي المقابل فإنه يجب أن تُعطى من الصلاحيات ما يُمّكنها من تنشيط الاستثمار الأجنبي وجلبه وحل منازعاته وأن تكون قراراتها ملزمة لجميع الجهات بالسلطنة.

كما أن من القوانين التي أرى ضرورة مراجعتها، تلك القوانين المتعلقة بالأسرة وخاصة ما يتعلق بلم شمل الأسرة والحفاظ عليها، حيث نجد أن الوضع الحالي يجعل الأسر في مهب الرياح، وتكمن خطورة تفكك الأسرة وتصدعها في قدرة المجتمع والدولة على بناء جيل قوي محافظ على أمن وأمان الوطن، وبالتالي فلا يجب أن يعمل الأب في ظفار وتكون الأم في مسندم، ومكان إقامة عائلتهم في مسقط، وهذا الأمر صار ظاهرة معروفة للجميع، لذا يجب إصدار قانون ينص على لم شمل الأسرة بحيث يلزم الجهات بتقريب جهة عمل الزوج وجهة عمل الزوجة إن لم يكن توحيده، أو على أقل تقدير أن تكون الزوجة في مكان إقامة الزوج لتكون هي والأبناء في مكان واحد، فوجود الزوج والزوجة معًا له من الفوائد ما لا يعد، وكفى حاكمًا في ذلك قول الله عزوجل: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”، وبلا شك أن قربهم من أبناؤهم يظل الهدف الأسمى الذي نادت به الشرائع السماوية ومعظم القوانين الوضعية.

كما أن من الأمور التي يجب معالجتها هو السعي للحد من حالات الطلاق وما ينتج عنها من تشتت الأبناء وكثرة القضايا في المحاكم لإثبات النسب والحضانة والنفقة، كما أن كثيرًا من المطلقين يصعب عليهم الزواج مرة أخرى فالزوجة ربما لن تجد من يقبل الزواج بها كونها مطلقة ولو كانت من الأدب والتدين والجمال بمكان، والرجل يصعب عليه الزواج لإلتزامه بدين النفقة وما إلى ذلك، وبالتالي فإن الخوف من اتجاه الجنسين للأمور المحرمة يزداد خاصة في ظل الانفتاح ووجود الداعين والمسهلين لذلك، ولذا فإن إصدار تشريع ينظم أمور الأسر وتثقيف الأزواج بشكل خاص والمجتمع بشكل عام بأهمية الأسرة في المجتمع، ويقرر تخصيص محاكم للأسرة بات من الأهمية بمكان في ظل ما يحدث من مشاكل للمجتمع بأسره.

وفيما يتعلق بأصحاب الهمم أو ذوي الإحتياجات الخاصة فالمجتمع مُلزم بتوفير إحتياجاتهم كلها وتأتي الدولة على رأس المكلفين شرعًا وقانونًا، ولذا فالخسارة في عدم الاهتمام بهذه الفئة هي خسارة فادحة، ولذا فإن توفير العيش الكريم لهذه الفئة وتلّمس إحتياجاتهم والسعي الجاد لتحقيقها هو خيرٌ لهم وللوطن، ولعل ما يحصل من اهتمام شكلي وقيام بعض الجهات بإظهار اهتمامها شكلاً لكسب ود الحكومة أو فئة معينة يجب إيقافه فورًا ومحاسبة كل من يستغل هذه الفئة بعقوبة أقسى وأشد، كما أن استغلال بعض الشركات في رفع أسعار مستلزمات هذه الفئة بدون داعٍ أمر يجب ردعه بكافة الطرق.

إننا نعيش في زمن كثرت به المتغيرات وانتشرت فيه الأفكار وتداخلت فيه الثقافات وسهل لأي شخص أن يلُج إلى أي محتوى في أي موقع إلكتروني، ولذا فإن مراجعة القوانين واللوائح أمر مهم ليس لتعديلها بما يتفق والتطورات فقط ولكن بما يحفظ للشعب أمنه الفكري والاجتماعي، وهما الأسس التي يقوى بهما عماد أي مجتمع، كما أن أي لجان لتعديل القوانين يجب أن يُختار لها من الكفاءات المخلصة والملمة بأحوال المجتمع وعاداته وتقاليده ودينه.

حفظ الله الجميع ويّسر لنا ولكم وغفر لوالدنا جلالة السلطان قابوس وجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة، وأطال في عمر السلطان هيثم بن طارق وبارك فيه وفيمن حوله وأمده بالبطانة الصالحة المخلصة الولاء له وللسلطنة ولمن يعيش عليها، وحفظ لنا وطننا وأمننا وكل ما رزقنا إنه سميع مجيب الدعاء.

مكتب الدكتور أحمد بن صالح البرواني للمحاماة والاستشارات القانونية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى