
الْهُوِيَّةُ قَلْعَةٌ حِصْنُهَا الثَّقَافَةُ وَسِيَاجُهَا اللُّغَةُ. فَاللُّغَةُ الْقَوْمِيَّةُ سِيَاجٌ يُحَافِظُ عَلَى الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ. وتَحْتَمِي بِهَا الْهُوِيَّةُ الْعَرَبِيَّةُ، وَتُعَبِّرُ عَنْهَا. فاللُّغَةُ والْهُوِيَّةُ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فمَنْ يَقْرَأْ لُغَةً مِنَ اللُّغَاتِ فَكَأَنَّمَا يُقَلِّبُ صَفَحَاتِ تَارِيخِ وَأَمْجَادِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَاللُّغَةُ هِيَ التَّارِيخُ، هِيَ الْمَاضِي وَالْحَاضِرُ وَالْمُسْتَقْبَلُ بَلْ اللُّغَةُ هِيَ الْوُجُودُ، بِهَا تَوَاصَلَ الْإِنْسَانُ عَبْرَ تَارِيخِهِ الطَّوِيلِ .
وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ إِنَّ اللُّغَةَ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُ ثَقَافَةَ الشَّعْبِ إِلَى الْعَالَمِ، وَكَذَلِكَ تَنْقِلُهُ لِلْأَجْيَالِ الْمُتَعَاقِبَةِ عَبْرَ التَّارِيخِ، فَاللُّغَةُ إِذًا هِيَ وُجُودُ الْأُمَّةِ ذَاتُهُ . إِنَّ اللُّغَةَ هِيَ الْهُوِيَّةُ الْوَطَنِيَّةُ، إِنَّهًا الْوَطَنُ الْحَيُّ الْمُتَدَفِّقُ الَّذِي يَسْكُنُ قَلْبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْفَيْلَسُوفُ الْأَلْمَانِيُّ هِيدْغَر : ” إِنَّ لُغَتِي هِيَ مَسْكَنِي ، هِيَ مَوْطِنِي وَمُسْتَقَرِّي، هِيَ حُدُودُ عَالَمِي الْحَمِيمِ وَمَعَالِمُهُ وَتَضَارِيسُهُ وَمِنْ نَوَافِذِهَا وَمِنْ خِلَالِ عُيُونِهَا أَنْظُرُ إِلَى بَقِيَّةِ أَرْجَاءِ الْكَوْنِ الْوَاسِعِ.
إِذَا فَقَدَ الْإِنْسَانُ لُغَتَهُ، فَقَدَ شَخْصِيَّتَهُ، وَمِرْآَةَ عَقْلِهِ، فَقَدَ هُوِيَّتَهُ وَحَضَارَتَهُ، فَقَدَ فِكْرَهُ وَثَقَافَتَهُ، وَإِنْ فَقَدَ فِكْرَهُ وَهُوِيَّتَهُ فَقَدَ إِنْسَانِيَّتَهُ.
سُؤَالٌ يَطْرَحُ نَفْسَهُ وَكَأَنَّ لُغَتَنَا الْعَرَبِيَّةَ تَنْعَى حَظَّهَا وَتَقُولُ لَنَا مِنْ أَيْنَ تَأْتِي أَزْمَةُ اللُّغَةِ؟ إِنَّ أَزْمَتَنَا اللُّغَوِيَّةَ لَيْسَتْ أَزْمَةَ اللُّغَةِ ذَاتِهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ أَزْمَةُ التَّعَامُلِ مَعَ هَذِهِ اللُّغَةِ، وَكَأَنَّهَا بِالْفِعْلِ تُعَانِي فِي عُقْرِ دَارِهَا مِنْ أَهْلِهَا.
ومن أَهَمِّ الْعَقَبَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ وَسَائِلُ الْإِعْلَامِ الْيَوْمِيَّةِ الَّتِي تَسْتَعْمِلُ لُغَةً عَرَبِيَّةً مُشَوَّهَةً فِي أَلْفَاظِهَا وَكَذَلِكَ فِي قَوَاعِدِهَا، تَهْدِمُ بِذَلِكَ أُصُولَ وَأَعْمِدَةَ هَذَا الْكَيَانِ أَقْصِدُ كَيَانَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فيُرْسِلُ لِلْمُشَاهِدِينَ وَالْمُسْتَمِعِينَ لُغَتَهُ التَّعِسَةَ، وَيَنْتَقِدُ الْغَيُورِينَ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ؛ وَذَلِكَ لِخَلْقِ جِيلٍ يَجْهَلُ لُغَتَهُ الْعَرَبِيَّةَ. وَأَيْضًا الْأَخْطَاءُ النَّحْوِيَّةُ وَالْكَلِمَاتُ الْعَامِّيَّةُ الْكَثِيرَةُ فِي الصُّحُفِ وَالْمِجَلَّاتِ .وَنَجِدُ كَذَلِكَ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ عَاجِزَةٌ عَنْ مُوَاكَبَةِ التَّقَدُّمِ الْحَضَارِيِّ الْمَوْجُودِ، فَيُطَالِبُ بِاسْتِبْدَالِهَا بِلُغَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أُخْرَى؛ لِاسْتِيعَابِ هَذِهِ الْحَضَارَةِ وَهَذَا التَّقَدُّمِ الْمَوْجُودِ حَالِيًا، وَكَذَلِكَ بَيْنَ مَنْ يُطَالِبُ بِاسْتِعْمَالِ الْعَامِّيَّةِ وَتَرْكِ اللُّغَةِ الْفُصْحَى، كلُّ هَذِهِ الْحَمَلَاتِ الْكَاذِبَةِ عَلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ اِسْتَطَاعَتْ نَزْعَ الْإِنْسَانِ الْعَرَبِيِّ مِنْ قَوْمِيَّتِهِ وَعُرُوبَتِهِ وَهُوِيَّتِهِ وَتُرَاثِهِ وَانْتِمَائِهِ، فقد غرسنا فِي نُفُوسِ طُلَّابِنَا أَنَّ لُغَتَنَا الْعَرَبِيَّةَ غَيْرُ قَادِرَةٍ عَلَى مُسَايَرَةِ رَكْبِ الْحَضَارَةِ وَالتَّقَدُّمِ، فَلِذَلِكَ لَابُدَّ مِنْ التَّعَلُّمِ بِلِسَانٍ أَجْنَبِيٍّ يُسَايِرُ الْحَضَارَةَ، هَذَا سَبَبٌ كَافٍ لِتَدَهْوُرِ قِيمَةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. كُلُّ ذَلِكَ أَتَى مِنْ خِلَالِ أَنَّنَا بَدَأْنَانُعَلِّمُهُمْ كَيْفَ يَتَحَدَّثُونَ الْأَجْنَبِيَّةَ قَبْلَ أَنْ يَعِيَ لُغَتَهُ الْعَرَبِيَّةَ وَهُوِيَّتَهُ، حَتَّى الْمَرْحَلَةُ الْجَامِعِيَّةُ قَدْ أَدْخَلَتْ مُصْطَلَحَاتٍ أَجْنَبِيَّةً كَثِيرَةً، بَلْ بَعْضُ الْمَوَادِّ الْآنَ فِي الْجَامِعَاتِ تُدَرَّسُ بِاللُّغَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ. وتَقَعُ الْفُصْحَى الْيَوْمَ فِي قَلْبِ إِعْصَارٍ مُدَمِّرٍ مِنَ الْعَوْلَمَةِ اللُّغَوِيَّةِ، الَّتِي كَادَتْ أَنْ تَعْصِفَ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَوْلَا عَوَامِلُ الْبَقَاءِ الْأَبَدِيَّةُ الَّتِي تَمْتَلِكُهَا.
فَهَدَفُ فَسَادِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ هُوَ ضَيَاعُ الْهُوِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّ التَّشْكِيكَ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَاحْتِقَارِهَا كَانَ مَدْخَلاً وَاسِعًا إِلَى التَّشْكِيكِ فِي الْهُوِيَّةِ.
وَمِنْ أَهَمِّ الْحُلُولِ أَنْ نَعْرِفَ أنَّ رُقِيَّ لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ هُوَ عُنْوَانُ رُقِيِّ أَصْحَابِهَا، كَمَا أَنَّ اِنْحِطَاطَ لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ هُوَ عُنْوَانُ اِنْحِطَاطِ أَصْحَابِهَا كَذَلِكَ ، لذلك يَنْبَغِي أَنْ نَضَعَ تَخْطِيطًا لُغَوِيًّا مَدْرُوسًا، يَهْدِفُ إِلَى تَمْكِينِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ حَقِّهَا فِي مُخْتَلَفِ مَجَالَاتِ التَّوَاصُلِ؛ لِتُصْبِحَ لُغَةَ التَّعْلِيمِ وَالْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ؛ قَصْدَ إِرْسَاءِ الْهُوِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي جَمِيعِ نَوَاحِي الْحَيَاةِ الْعَمَلِيَّةِ. وَكَذَلِكَ الْاِهْتِمَامُ بِالْمَنَاهِجِ الدِّرَاسِيَّةِ: فَعَلَى كُلِّ مَنْ يُحَاوِلُ إِصْلَاحًا لُغَوِيًّا أَنْ يَعْمَدَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى دِرَاسَةِ حَيَاةِ اللُّغَةِ، وَمَنَاهِجِ تَطَوُّرِهَا؛ حَتَّى تَأْتِي إِصْلَاحَاتُهُ مُسَايِرَةً لِهَذِهِ الطَّبِيعَةِ، فَتُؤْتِي أُكُلَهَا وَتُكَلَّلُ بِالنَّجَاحِ، وَيَنْبَغِي الْاِهْتِمِامُ كَذَلِكَ بِاللُّغَةِ الشَّفَوِيَّةِ، فَالْاِسْتِعْمَالُ الطَّبِيعِي لِلُّغَةِ يَعْتَمِدُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْمُشَافَهَةِ. فَعَلَيْنَا أَنْ نُوَحِّدَ لُغَةَ التَّعْلِيمِ مَعَ لُغَةِ التَّفْكِيرِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ الْفَصْلُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ إِنْ رُمْنَا التَّمَيُّزَ. وَمِنَ الْمُعْلُومِ أَنَّهُ مَتَى مَا كَانَتْ لُغَةُ التَّعْلِيمِ مُتَوَافِقَةً مَعَ لُغَةِ التَّفْكِيرِ، اِسْتَطَعْنَا أَنْ نُحَقِّقَ الْأَهْدَافَ الْمَرْجُوَّةَ مِنَ الْعَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ فِي شَتَّى الْجَوَانِبِ، حَيْثُ إِنَّ الْمُتَعَلِّمَ لَا يَنْشَغِلُ بِالتَّرْجَمَةِ عَنْ الْفَهْمِ وَالْاِسْتِيعَابِ، وَالتَّحْلِيلِ وَالنَّقْدِ. إِنَّ الْعِلْمَ إِذَا أَخَذْتَهُ بِلُغَتِكَ أَخَذْتَهُ، وَإِذَا أَخَذْتَهُ بِلُغَةِ غَيْرِكَ أَخَذَكَ.
تَبْدَأُ الدَّعْوَةُ لِعَوْدَةِ الْهُوِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى أَوْجِ نَهْضَتِهَا بِالْعَوْدَةِ أَوَّلًا لِلْحِفَاظِ عَلَى اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَجعْلِهِ نَبْتًا خِصْبًا مُثْمِرًا فِي تُرْبَةِ الْمُجْتَمَعَاتِ النَّاطِقَةِ بِالضَّادِ، إِذْ لَمْ يُسَجِّلْ التَّارِيخُ قَطُّ أَنَّ أُمَّةً حَقَّقَتْ التَّنْمِيَةَ وَالتَّقَدُّمَ الْحَضَارِيَّ الْحَقِيقِيَّ بِلُغَةِ غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ.
يَجِبُ أَنْ نُنَمِّيَ فِي أَطْفَالِنَا الَّذِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى الثَّقَافَاتِ الْأَجْنَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا قِمَّةُ الْحَضَارَةِ، وَيَكْرَهُونَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ وَكَذَلِكَ الْهُوِيَّةَ الْعَرَبِيَّةَ تَحْسِينَ مُسْتَوَى الْاِنْتِمَاءِ لِلُغَتِهِ الْأُمِّ، وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الَّذِي يَحْمِلُ هُوِيَّةً مُرَكَّبّةً يَجِدُ نَفْسَهُ بِالتَّالِي مُهَمَّشًا.
أَفَنَعْجَزُ نَحْنُ عَنْ وَضْعِ لُغَتِنَا فِي مَكَانِهَا الْمَرْمُوقِ؟ أَفَنَعْجَزُ عَنْهَا الْيَوْمَ وَنَرْمِيهَا بِالْعُقْمِ وَنَحْنُ فِي عَصْرِ النُّورِ وَالْكَهْرُبَاءِ وَالذَّرَّةِ وَاللَّاسِلْكِيِّ وَالْفَضَاءِ؟ إِنَّ أَجْدَادَنَا أَخَذُوا وَأَعْطَوا وَتَرْجَمُوا وَنَحَتُوا وَاشْتَقُّوا وَعَرَّبُوا وَطَاوَعَتْهُمُ اللُّغَةُ مُطَاوَعَةً عَجِيبَةً، فَاللُّغَةُ الَّتِي حَوَتْ كُلَّ آَيِ الْقُرْآَنِ بِمُعْجِزَاتِهِ الْخَالِدَةِ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْوِيَ أَيَّ عِلْمٍ وَأَيَّةَ حَضَارَةٍ، فَمِنْ أَبْرَزِ طُمُوحَاتِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ أَنْ تَكُونَ لُغَةَ الْعِلْمِ وَالْحَضَارَةِ، مِثْلَمَا كَانَتْ خِلَالَ الْعُصُورِ الْعَرَبِيَّةِ الزَّاهِيَةِ.



