مقالات

“القانون والإدارة” بقلم: د. أحمد بن صالح البرواني

Advertisements

في سياق الحديث عن دور القانون في الإدارة، فيجب الإشارة دائماً إلى أن سيادة القانون هو أساس الدولة، فلن يكون لأي دولة ثبات واستقرار وتقدم مالم يكن القانون هو السيد الذي يحكم ويعلو على الجميع، لأن القانون أساس الإدارة الرشيدة والحصيفة، وبتطبيق القانون التطبيق الواعي الرشيد من قبل قيادة حكيمة ستتحقق أهداف الدولة.

إن القانون والإدارة وإن كانا مستقلين إلا أن بينهما صلة وثيقة تتمثل في أنهما يتناولان موضوعاً محددا وهو الإدارة، فالقانون الإداري يتضمن القواعد القانونية التي تحكم تنظيم الادارة ونشاطها ووسائلها البشرية والقانونية والمالية والرقابة عليها، ومن خلال ذلك نجد أن الإدارة تمثل محور الدراسة لكل من علم الادارة والقانون الإداري.

وهناك بعض الممارسات الخاطئة والهادمة في نفس الوقت من قبل البعض، ولعل أهمها السرعة في الإنجاز على حساب الجودة، ولقد أطلعت وسمعت وأعتقد أنكم كذلك أن بعض المعنيين بإدارات معينة يتحدثون عن الإنجازات بالأرقام، ولم نجد من يتحدث عن الجودة في الإنجاز وهذا المنحى خطير جداً على الوطن ومن يعيش فيه، وللإيضاح سأورد مثلاً عن المؤسسة (سين)، حيث صرح المسؤول فيها بأنه قام بـ (40) زيارة تفقدية للإدارات والأقسام، وانه عقد (20) إجتماع مع المدراء، وأن المؤسسة قامت بإنجاز (3000) ملف، فهل هذا دليل على جودة العمل، وعلى التقيد بوظائف الإدارة، الأكيد أن ذلك لا يعطي القراءة الحقيقية للإنجاز الإداري الفاعل، ونبين بعض النقاط وفقا لما يلي:

المدير قام بـ (40) زيارة تفقدية للإدارات والأقسام، ولكن لم يوضح ما جدوى هذه الزيارات، ومعظم الزيارات كانت عكسية على المؤسسة، حيث تم صرف مبالغ للقيام بتلك الزيارات وضياع وقت العمل للزائر وللمزار، وتكاليف الضيافة، وهذه المبالغ صرفت من المؤسسة بدون اي مردود ايجابي عليها، كما ان ضياع وقت العاملين في هذه الزيارات كان ايضا منافي للقواعد والضوابط التي تحكم السلوك الاداري الرشيد ولعله زار بعض الادارات اكثر عن الباقي لحاجة في نفس يعقوب، ولو انه خطط للزيارات لكان اكتفى بـ (10 زيارات) مع حصول المؤسسة على عوائد إيجابية تمثلت في مناقشة القضايا التي تهم المؤسسة والعراقيل التي تعترض حسن سير العمل، والحفاظ على معنويات العاملين وتحفيز الهمم لبذل مزيد من الجهد والفكر للرقي بالمؤسسة.

والاجتماعات الغير مخطط لها جيد تستهلك الوقت والجهد والمال، وهناك من المؤسسات التي تعقد اجتماعات لغرض حساب عدد الاجتماعات ويتم توثيق هذه الاجتماعات، ولكن المحصلة عكسية.

كذلك فإن انجاز (3000 ملف) ليس دليل على النجاح، فكثير من الملفات المنجزة كان بها من الأخطاء ما كلّف المؤسسة أموالا طائلة في سبيل دفع المخالفات والاضرار التي لحقت بالجمهور الداخلي والخارجي للمؤسسة، ولعلي اذكر ان مؤسسة ما كانت قد وضعت قرار باعطاء من يقوم بنقل شحنات أكثر بعض العوائد المالية، فما الذي حصل: لقد أجهد البعض من قائدي المركبات أنفسهم في العمل لساعات أكثر مما يتحمل، كذلك خالفوا قواعد المرور وخاصة قواعد السرعة، أيضا وقعت حوادث مرورية أدت لأضرار بشرية ومادية وبيئية.

إن فرض الإلتزام والانضباط في العمل لا يكون إلا بالتطبيق الصحيح للقواعد القانونية والمبادئ الإدارية مع وجود قيادة حكيمة ورشيدة ومنضبطة وحازمة، مع ضرورة وضع الموظف المناسب في المكان المناسب من خلال اختيار العناصر البشرية المتميزة والمخلصة فالإدارة الرشيدة تهتم بالكفاءات لأن الإنسان يحب العمل وتحمل المسؤولية، لذا يجب تحفيزه ودفعه وتنمية هذا الشعور لديه، مع وجود قضاء متخصص ومؤهل وأمين، كل ذلك سيسهم في تنظيم العمل وتطويره وتحفيز العاملين من خلال المشاركة في الادارة والتخطيط ومن خلال إعطاءالصلاحيات التي تمكن الموظف من انجاز عمله مع فرض نظام الرقابة وتعزيز قيم النزاهة والشفافية والعمل على تحديد الاهداف وتحفيز العاملين من خلال تطبيق الجزاءات من خلال التوجيه والتشجيع وتقويم الانحرافات مع مراعاة الظروف لكل حالة على حدة.
ان تحقيق النتيجة ليس بالحديث عن انجازات بالأرقام، بل تحتاج إلى إعادة النظر في تلك الانجازات، بما يتلاءم مع التقدم الإداري والفكري والقانوني والعلمي ومواكبة الثورات الصناعية والاستثمارية التي يشهدها العالم الحديث.

ولقد كان الاهتمام السامي لأعز الرجال وأنقاهم بالإدارة حيث عمل على تهيئة الظروف للمساهمة في بناء دولة عصرية تقوم على المؤسسية والكفاءة مع الإهتمام بالتأهيل والتدريب، فكان الإنجاز الحقيقي هو اتصاف الأداء المؤسسي في السلطنة بالعملية والمنهجية والتخطيط بأسلوب يتفق مع قيم الإسلام الحنيف وعادات المجتمع العماني وقيمه مع الأخذ بالانفتاح على المستجدات العصرية والتقنيات الجديدة والأفكار العلمية الواضحة والمفيدة للعمل المؤسسي بما يخدم مصالح الشعب، من خلال الاستفادة من التقنيات الحديثة وتأهيل المواطنين المهارات اللازمة للتعامل معها، ووضع التشريعات التي تعزز قيم النزاهة والحوكمة والتكامل بين الجهات لتحقيق طموحات الوطن والمواطن، وكان الانسان نصب عين الحكومة فهو صانع التنمية وهو هدفها وهو القيمة التي يتم بها تقييم كل الانجازات، مع الوضع في الحسبان مراقبة المستجدات في هذا الميدان والاستفادة منه، ومما قاله المغفور له والدنا السلطان قابوس طيب الله ثراه: «لقد كانت خطتنا في هذا المجال طموحة، تستهدف الإنسان العماني وتعويضه ما فات وكان عمادها في تنفيذها الإنسان فالإنسان هو صانع التنمية، فيجب أن يكون هدفها إسعاده، وإعداده، ليعطي بلاده أحسن ما عنده من إنتاج. ومن هنا كان اهتمامنا بالتنمية الاجتماعية، فانطلقنا بادئ بدء نعلم ونقدم العلاج، ونوفر الغذاء والسكن، من أجل الإنسان العماني، رصيدنا الأساسي في معاركنا المختلفة في سبيل عمان، والبلوغ مصاف الأمم المتقدمة. وقد كنا والحمد لله على مستوى المرحلة الصعبة التي مرت، وتعاونا حكومة وشعبا حتى وصلنا ببلادنا إلى درجة من التطور الاجتماعي، جعلتنا قادرين على الاستيعاب والإبداع، وبالتالي المساهمة الفعلية في إيجابيات المجتمع بمعناه الواسع»، وهو ما أكد عليه جلالة السلطان هيثم بن طارق حيث قال في خطابه بمناسبة العيد الوطني الخمسين المجيد: “وسنواصلُ استلهامَ جوهرِ المبادئِ والقيمِ ذاتـِها، في إرساءِ مرحلةٍ جديدةٍ ، تسيرُ فيها بلادُنا العزيزةُ ـ بعون ِالله ـ بخطىً واثقةٍ نحوَ المكانةِ المرموقةِ ، التي نصبو إليها جميعاً مكرّسينَ كافةَ مواردِنا، وإمكانياتِنا؛ للوصولِ إليها، وسنحافظُ على مصالحِنا الوطنيةِ باعتبارِها أهمَّ ثوابتِ المرحلةِ القادمةِ التي حددتْ مساراتِها وأهدافـَها “رؤيةُ عُمان 2040″ سعياً إلى إحداثِ تحولاتٍ نوعيةٍ في كافة مجالاتِ الحياةِ ، مجسدةً الإرادةَ الوطنيةَ الجامعة”.

مكتب الدكتور أحمد بن صالح البرواني للمحاماة والاستشارات القانونية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى