مقالات
“غزوات ومعارك المسلمين في رمضان” بقلم : خالد عمر حشوان

من الطبيعي أن نسمع دائما أن شهر رمضان هو شهر القرآن لأن فيه أُنزِل القرآن، لكن المسلمين الأوائل كان رمضان بالنسبة لهم شهر الجهاد كما هو شهر القرآن، فقاموا فيه بغزوات ومعارك غيَّرت فيه أحوال الإسلام بفضل الله، ومن أهم هذه الغزوات والمعارك في تاريخ الإسلام:
- غزوة بدر: وهي أولى غزوات النبي عليه الصلاة والسلام حيث حدثت في السابع عشر من رمضان بعددٍ قليل من المسلمين وهو ثلاث مئة وبضعة عشر رجلاً وفَرَسَين وسبعون بعيراً وكان المشركون فيها يفوقون الألف رجل ويمتطون مئتا فرس، ونصر الله فيها المسلمين نصراً كبيراً وكانت بداية تكوين هيبة الإسلام بفضل الله ومهَّدت الطريق للمَدَّ الإسلامي وبداية الغزوات.
- فتح مكة: كان هذا الفتح يسمى الفتح الأعظم وهو ثانِ غزوات النبي عليه الصلاة والسلام ووقع في السنة الثامنة من الهجرة، حيث دخل جيش المسلمين مكة صباح يوم الجمعة الموافق العشرين من شهر رمضان للسنة الثامنة من الهجرة، فهزم من أراد المقاومة من قريش ودخل الرسول المسجد الحرام والصحابة من حوله وأستلم الحجر الأسود، وتمَّ بفضل الله إعلاء كلمة التوحيد ومكانة الدين الإسلامي في مكة قلب جزيرة العرب ومركزها الروحي والسياسي.
- غزوة تبوك (العسرة): كانت في السنة التاسعة من الهجرة وهي آخر غزوات النبي عليه الصلاة والسلام مع ثلاثين ألف مُجاهد بعد أن خرج في رجب واستغرقت الغزوة 50 يوماً، منها 20 يوماً كانت في تبوك، وكانت في أجواء حارَّة جداً وقحط وضيق شديد في النفقة والإبل والماء لذلك سميت بالعسرة، ولم يتخلف من المسلمين إلا ثلاثة (تاب الله عليهم فيما بعد) وتسابق قبلها المسلمون في إنفاق الأموال لتجهيز هذا الجيش، وعندما وصل الجيش لتبوك تفرَّق الرومان وحلفاؤهم شمالاً وكفى الله المؤمنين شر القتال وعاد الجيش من تبوك مظفرين منصورين لم ينالوا كيدًا، وبها توسعت حدود الدولة الإسلامية حتى لاقت حدود الرومان مباشرة، وشهد عملاء الرومان نهايتهم إلى حدِّ كبير.
- معركة بلاط الشهداء: حيث كانت في أواخر شهر شعبان لعام 114هـ بين بواتييه (البلاط وتعني في الأندلس القصر أو الحصن) وتور وتبعد عن باريس 70كم، واستمرت تسعة أيام لأوائل رمضان بين المسلمين والصليبيين وأبلى المسلمون فيها بلاءً حسناً وأستشهد منهم الكثير وأصيب قائد المسلمين عبد الرحمن الغافقي وأستُشهِد بعدها وكان ذلك سبباً في عدم انتصار المسلمين، وسميت في المصادر العربية ببلاط الشهداء لكثرة ما أستشهد فيها من المسلمين.
- فتح عمورية: عمورية هي أهم المدن البيزنطية والتي حدثت فيها المعركة عام 223هـ بعد ما فعل ملك الروم ما فعل في بلاد المسلمين وبلغ المعتصم صوت المرأة المسلمة التي صاحت وهي أسيرة “وامعتصماه” فأجابها “لبيك .. لبيك” وصاح في قصره ” النفير .. النفير”، وسار بجيشه الفتاك وحاصر عمورية 11 يومًاً وكان في هذا الحصن ثغرات عَرَفها الجيش وساهمت في دخوله، ثم دخل المعتصم وجنده بفضل الله مدينة عمورية في 17 رمضان عام 223هـ، وأنتشر المسلمون في المدينة وهم يُكبرون ويُهللون، وتفرَّقت الروم عن أماكنها، وبدأ المسلمون يقتلونهم في كل مكان، وكانت مكاسب المسلمين كبيرة جدا في هذه المعركة.
- فتح حَارِم: وهو حصن حصين تجاه أنطاكية وهي الآن من أعمال حَلَبْ وفيها أشجار كثيرة ومياه، ووقعت المعركة في 22 رمضان عام 559 هـ بين جيش نور الدين زنكي و تحالف بين طرابلس وإمارة أنطاكية والبيزنطيين والأرمن، فأعدَّ المسلمون خُطة مُحكمة للفرنجة باستدراجهم لفخ ذكي، من خلال هزيمة وهمية لميمنة الجيش الإسلامي، فهجم الفرنجة على ميمنة الجيش الإسلامي فتراجعت ولحق فرسانهم بفلول الميمنة، فانقطعت الصلة بينهم وبين المشاة من قواتهم؛ فتفرغ المسلمون للقضاء على المشاة، ولما رجع الفرسان لم يجدوا أحداً من المشاة الذين كانوا يحمون ظهورهم، فأحاط بهم المسلمون من كل جانب، وألحقوا بهم هزيمة كبيرة، وخسائر فادحة قُدِّرت بعشرة آلاف قتيل وأسر قادة كبار، وكثير من الأسرى، وكان من بين الأسرى أمير أنطاكية وأمير طرابلس.
- عين جالوت: التي تقع بين بيسان ونابلس بفلسطين وكانت في 25 رمضان عام 658م بين المغول والمسلمين بقيادة المظفر “سيف الدين قطز” وكان فيها القتال شديداُ لم يُرَ مثله وأكرم الله فيها المسلمين بنصر عظيم، كما كان لمعركة عين جالوت أثراً عظيمًا في تغيير موازين القوة بين القوى العظمى المتصارعة في منطقة الشام، وتسببت في خسارة المغول وإبادة جيش التتار في المعركة وتحجيم قواهم وجبروتهم بفضل الله.
- معركة شقحب: وشقحب هي قرية صغيرة تبعد عن دمشق 37 كم “أو معركة مرج الصُفر” كما يسميها البعض، وهي من المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي والتي وقعت في 2 رمضان عام 702هـ، وكانت بين المماليك بقيادة الناصر محمد بن قلاوون سلطان مصر والشام، والمغول بقيادة قطلوشاه نائب وقائد محمود غازان إلخان مغول فارس، واستمرت المعركة لمدة ثلاثة أيام أفتى فيها شيخ الإسلام ابن تيميه -رحمه الله- للجند بالفِطْر مُدَّة قتالهم وأفْطَرَ هو وشارك معهم أيضاً، وكانوا جميعا على قلب رجل واحد وثبتوا في صفوفهم حتى هَزَم الله العدُو وكتب النصر للإسلام والمسلمين.
من هنا يتضح لنا أن شهر رمضان شهر الغزوات والانتصارات العظيمة في التاريخ الإسلامي والذي شَهِد الإسلام فيه تغييرات جذرية بفضل الله ثم بقوة إيمان واجتهاد وحرص الصائمين وصبرهم على إعلاء كلمة الله في هذا الشهر العظيم.



