“تطور السلوك غير الحضاري” بقلم : خالد عمر حشوان

السلوك غير الحضاري هو كل تصرف يخالف الذوق العام وينتهك القوانين والأنظمة ويفتقر لمراعاة حقوق ومشاعر الآخرين في المجتمع، وقد أصبحت بعض السلوكيات مع الأسف ظاهرة واضحة في الفترة الأخيرة بسبب كثرة الممارسات والسلوكيات غير الحضارية التي تدل على ضعف الإحساس بالمسؤولية وقلة الانتماء للبيئة المحيطة وعدم مراعاة شعور الآخرين، ومن أهم المسببات لهذا التطور السلوكي في عصرنا الحديث هي عوامل التربية والتنشئة وأهمها التأثير السلبي والقوي لوسائل التواصل الاجتماعي والتطور التكنولوجي الذي يُشجِّع الأجيال على التنمُّر وبروز بعض الشخصيات التي تتبنى هذه السلوكيات وتتمادى في نشرها على وسائل التواصل مع غياب أو ضعف الرقابة على المحتويات والألعاب الإلكترونية التي تُعزز العنف والتنمر واللامبالاة، أما السبب الثاني في رأيي الشخصي هو غياب العقاب الرادع أو تأخيره من واقع ضعف التطبيق الصارم على أصحاب هذه السلوكيات الخاطئة، ويأتي في المرتبة الثالثة وهي الأهم الضعف التربوي وغياب الرقابة والمتابعة الأسرية وعدم توفر التوجيه السليم والحوار البناء الذي يغرس القيم والمبادئ الأساسية عند الأجيال وغياب القدوة الحسنة في الأسرة، وقد تكون أساليب التربية الخاطئة كالقسوة المُفرطة أو الدلال الزائد أو الحرمان من أهم الأسباب الرئيسة لظهور شخصيات غير متزنة داخل الأسرة تميل للتمرد وعدم احترام الآخرين وتتبنى هذه السلوكيات الخاطئة.
أما بالنسبة للعوامل الاجتماعية والاقتصادية، فأهم أسباب تطور هذا السلوك هو ضعف الوازع الديني خاصة بتعاليم الإسلام الداعية إلى حسن التعامل واحترام الآخرين ومشاعرهم وحفظ حقوقهم، ثم ضعف الوعي المجتمعي بسبب انعدام أو تدني مستوى الثقافة بأهمية احترام الآخرين والذوق العام لأن فاقد الشيء لا يُعطيه، وتأتي بعده الضغوط النفسية والاجتماعية والتوتر المستمر في الحياة اليومية التي قد يفقد البعض معها السيطرة على الانفعالات فتظهر هذه السلوكيات غير الحضارية، ويضاف إليها التفاوت الاقتصادي والطبقي لأفراد المجتمع الذي قد يشعر معه البعض بالظلم والإهمال والتهميش، أو يشعر البعض الآخر معه بأنهم فوق القانون والأنظمة ويسبب ردود أفعال سلبية تجاه أفراد المجتمع والممتلكات الخاصة والعامة.
إن علاج السلوكيات غير الحضارية والحَدّ من تطورها في المجتمع ليس مجرد هدف بل أصبحت ضرورة حتمية ليناء مجتمع صحي متماسك ومُتحَضِّر لمواجهة المستقبل، لذلك لابد من فهم جذور هذه السلوكيات وتشخيصها قبل العلاج وذلك بدراسة أسبابها ودوافعها ثم وضع نماذج ونظريات لتغيير هذه السلوكيات على عدة مراحل، وتأتي بعدها مرحلة وضع الإستراتيجيات المناسبة لتغيير السلوكيات غير الحضارية كالتوعية وبناء المعرفة وتطوير المهارات وتمكين الأفراد وتشجيعهم لتغيير هذه السلوكيات والسعي لتغيير الأعراف الاجتماعية لتوفير بيئة داعمة لهم للتغيير باستخدام الحوافز والسياسات الداعمة لهذا التغيير، ثم تأتي مؤخرا مرحلة المشاركة المجتمعية والملكية المحلية بإشراك الأفراد في مراحل التخطيط والتنفيذ والتقييم وبناء شراكات مع المنظمات المحلية في المجتمع والقادة المحليين وتمكين أفراد المجتمع من تحديد المشاكل والسلوكيات غير المرغوبة واقتراح الحلول المناسبة لعلاجها والقضاء عليها.
وأختم بحديث المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام الذي قال فيه ” المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لسانِه ويَدِه، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنه” (أخرجه البخاري ومسلم).



