مقالات

“الأبناء ضحية لتربية الآباء” بقلم : خالد عمر حشوان

سأبدأ مقالي بقصة حصلت لي الليلة الماضية عندما قررت أن أتناول طعام العشاء أنا وزوجتي في مطعم ما، وكان نصيبي في الجلوس بجوار عائلة لديها ثلاثة أطفال أعمارهم تتراوح ما بين 3 إلى 8 سنوات، وكانت للأسف ليلة مزعجة من هؤلاء الأطفال والوالدين بسبب كثرة الأصوات وعُلوِّها والتجول في المطعم وإزعاج كل من تواجد بالمطعم، حتى عند مغادرتهم منه، وما لفت نظري بعد خروجهم هي المخلفات التي كانت على المائدة وحولها وما على الأرض من فوضى وقذارة وسوء استخدام تثبت سوء التربية والنظافة والاهتمام من الأبوين وخاصة استهتار الأم وبرود الأب، وقد تكرر هذا الحدث معي في أكثر من موقع مما يثبت أنها ليست تصرفات فردية بل الملاحظ أنها بدأت تصبح ظاهرة لابد من معالجتها.
إن السلوك غير السوي هو سلوك يكتسبه الطفل من البيئة المحيطة به سواء كانت الأسرة أو المدرسة أو الأقرباء أو الجيران وقد يستمر الطفل في تكراره لهذا السلوك رغم التحذير فما بالكم بوالدين يرون هذا السلوك ولا يكون لهم دور بارز وفعَّال في ملاحظته وتغييره، وهنا تظهر أخطاء الآباء والأمهات وتقصيرهم في التربية والتثقيف ويصبح الأطفال ضحية لهذه الأخطاء والتي تكون لها أسباب كثيرة من أهمها انعدام الخبرة في التربية نتيجة الجهل العلمي والثقافي والأدبي وعدم الإلمام بالمتغيرات النفسية والعقلية والجسدية والاجتماعية للأطفال خلال مراحل نموهم المختلفة ومعالجة السلوكيات غير المقبولة وتطوير وتعزيز السلوكيات الجيدة، حيث تلعب طبيعة العلاقة داخل الأسرة دورا كبيراً في سلوك الأبناء وتؤثر العلاقات غير السَوِّية ومشاجرات الأبوين وسوء الألفاظ والأصوات العالية وعدم انسجامهما في تكوين شخصية الأطفال وسلوكياتهم غير الجيدة بشتى أنواعها.
قد يكون أيضا استخدام بعض الأنماط المتوارثة في التربية من الوالدين والتي نشأوا عليها ولا تتناسب مع الإسلام أو الزمن الحالي أو اختلاف الأجيال مع حرصنا وتأكيدنا على أن أساليب نبينا المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام في التربية والتعليم والنظافة هي القدوة الحسنة لنا، حيث يقول الله تعالى {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب-21)، أو العكس تماما بالإفراط في الحنان والتدليل للأطفال بشكل سلبي بسبب ظروف أسرية قاسية عانى منها الوالدين في طفولتهما، والتساهل معهم وعدم محاسبتهم على الأخطاء وعدم معاقبتهم على تكرارها فيأمن الطفل العقوبة ويسيء الأدب في أغلب تصرفاته.
كما أن اهتمام الأبوين أو أحدهما بأحد الأطفال والتركيز عليه وتمييزه عن بقية الأطفال قد يكون سبباً رئيساً في خلق الغيرة والعداء وسوء السلوك بين الأطفال وقد يستمر ذلك إلى مراحل متقدمة في العمر مع الأبناء، وكذلك يساهم حرمان الأطفال من اللعب وممارسة هواياتهم المفضلة في حدود الأوقات المخصصة لها في شعورهم بالحرمان والنقص الذي يؤثر على سلوكهم بالسلب.
إن من أهم الأسباب التي تساهم في تقليل أخطاء الأطفال وتقويم سلوكهم هي تنشئتهم على السلوكيات الجيدة وتنميتها في شخصياتهم لأن كثيرا من السلوكيات الجيدة عند الأطفال لا تجد التقدير والتعزيز عند بعض الآباء، وكذلك الأسرة التي تلتزم بالأنظمة والقوانين في النوم والاستيقاظ والنظافة والترتيب واستخدام الأجهزة وأوقات الدراسة وأوقات الطعام والصلوات والتعامل الجيد مع أطفالها داخل المنزل وخارجه هي من الأسر التي تُنَمِّي السلوكيات الجيدة في أطفالها خاصة إذا كان الأبوين هم أول من يلتزم بهذه الأنظمة والقوانين ليكونوا قدوة جيدة لأطفالهم.
أما قلة المتابعة للأطفال داخل المنزل على الأجهزة الإلكترونية والتلفاز وتصرفاتهم في المنزل وخارجه خاصة لحفظهم من المؤثرات الخارجية كالأصدقاء وزملاء الدراسة وأبناء الجيران قد تكون سبباً في اكتساب الأطفال سلوكيات غير جيدة ومع المراقبة الجيدة والمستمرة يمكن تحديد هذه السلوكيات وعلاجها والقضاء عليها فوراً قبل فوات الأوان.
وأختم بالفراغ العاطفي وفقدان الأطفال للحنان عند بعض الأسر المُفككة بسبب تقصير الأبوين أو أحدهما في التربية أو الاهتمام بالأطفال بحجة الكسب المادي أو الانفصال الحقيقي بالطلاق أو الانفصال العاطفي مع بقاؤهما في المنزل لاعتقادهما بأنهم بذلك يحافظون على الأطفال والتي هي بالفعل من القوى السلبية المُدمِّرة لسلوك الأطفال، فاتقوا الله أيها الآباء والأمهات وأحرصوا على ألا يكون أبناءكم ضحية لتقصيركم في التربية والتعليم والتثقيف فأنتم مسؤولون عنهم أمام الله وقد حَذَّركم النبي عليه أفضل الصلاة والسلام في قوله “كَفَى بالمَرْءِ إِثْمَاً أنْ يُضَيَّعَ مَنْ يَقُوُت” رواه أبو داود وقال أيضا ” كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْؤُولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا” (صحيح البخاري).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى