مقالات

“أزمة الدولار والنظام المصرفي العراقي.. آمال بالاستقرار وأخرى بالتطور” بقلم :حيدر الموسوي

في ظل اضطراب العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة العراقية، وخصوصاً بعد الضربات الأخيرة التي شنتها فصائل مسلحة عراقية مدعومة من جهات أجنبية على قوات التحالف الدولي، والردود العسكرية الأمريكية على تلك الضربات، يشهد النظام المصرفي العراقي انهيارات متتالية وعقوبات متجددة من البنك الفيدرالي، ما انعكس سلباً على واقع المواطن العراقي وشركات القطاع الخاص على كل الأصعدة، خاصةً وأن الدولار يتداخل ويسيطر على أنواع السوق العراقية، ومع هذا لا توجد أي نتائج إيجابية التحركات الحكومة العراقية ووزارة المالية، للأثر الكبير الذي تركته العقوبات على المصارف العراقية، وفي ذات الوقت الحكومة العراقية تريد تجفيف منابع تهريب العملة وغسيل الأموال بفرض إجراءات مشددة على استلام وتحويل وإيداع الأموال، ما يجعل من حل المشكلة أمراً صعباً.
اللافت في الأمر هو منشور السفيرة الأمريكية في العراق ألينا رومانوسكي على منصة “اكس” في يناير الماضي، والتي قالت فيها إن بيانات البنك المركزي العراقي تشير إلى أن إجمالي الودائع المحتفظ بها لدى البنوك التجارية العراقية ارتفع بنسبة حوالي 37% خلال السنتين الماضيتين، ومنذ عام 2021 إلى عام 2022، ارتفع إجمالي عدد من لديهم حساب مصرفي في البنوك المحلية بنسبة 31%، وهذا ما وصفته رومانوسكي بأنه “تقدم مبهر”.
لكن الواقع ربما يختف عما ذكرته رومانوسكي والتقارير التي تحدثت بهذا الصدد، حيث أن شركات القطاع الخاص تواجه مشاكل كبيرة في استلام أموالها، وحتى في حال استلمت فإنها تتعرض لخسائر كبيرة بسبب الفارق بين سعر الصرف الرسمي المعتمد حكومياً والسعر المعتمد في السوق.

يقول التاجر العراقي حامد الساعدي من محافظة ذي قار جنوبي العراق: إن “منذ الاختلاف الكبير في سعر صرف الدولار، حصلت لدينا خسائر كبيرة وهذا ما يعاني منه أغلب التجار، حيث أن البضاعة التي نشتريها بسعر 5000$ على سعر صرف معين، قد لا نستطيع بيعها أو بيعها بخسارة، كون سعر الصرف يتقلب، لذا نضطر لبيعها بسعر خاسر، أو رفع سعرها، وهذا ما سيؤدي إلى امتناع المواطن عن الشراء لأنه سيعتقد أن السعر مبالغ به أو استغلالي، لكن الحقيقة هي أن تجار آخرين كانوا قد اشتروا البضاعة ذاتها لكن على في وقت كان سعر الصرف فيه جيداً، لذلك سيبيعونها بسعر مناسب للمواطن”.

ويضيف الساعدي: “كل هذا التشويش سببه الخلافات السياسية التي جعلت من سعر صرف الدولار ورقة رابحة للتفاوض على حساب مصلحة المواطن، بالإضافة إلى الإجراءات الي فرضتها الحكومة على التعاملات المصرفية، والتي صعبت علينا التعامل مع تجار خارج العراق بسهولة، حيث أن الحوالات الواردة لنا كتجار من خارج العراق، تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها عند الاستلام، لأننا سنستلم الحوالة بالدينار العراقي وفقاً لسعر الصرف الرسمي، وعند التعامل بها في السوق، سنجبر على التعامل بسعر الصرف السوق الذي يفرق عن الرسمي بقرابة 15$ لكل 100$، أما الإيداع في المصارف العراقية، فلا أثق به لأنني لا أثق بها وأتوقع أن يحصل ما حصل مع لبنان ونظامها الاقتصادي الذي انهار، لذا فإن الأسلم هو أيداعها في المنزل”.

يرى الكاتب والصحافي العراقي فلاح المشعل: أن ” ثقة المواطن العراقي بالمصارف العراقية تكاد أن تكون مفقودة، وخصوصاً المصارف الأهلية التي يعدها البعض أشبه بدكاكين للمال، وظيفتها شراء الدولار بالسعر الرسمي وبيعه في السوق الموازي بفارق متزايد، ولأن المصارف الأهلية تمثل ما نسبته 90% من مجموع المصارف والبنوك في العراق، إذ يبلغ عددها 74 مصرفاً أهلياً مقابل 7 مصارف حكومية، وما يدلل على انعدام ثقة المواطن بالمصارف العراقية، هو أن نسبة 70% من النقد المتداول يحتفظ به الأهالي في بيوتهم وخزائنهم الخاصة وليس بالمصارف كما يحدث في جميع دول العالم”.

ويضيف المشعل: “ان ضعف نشاط المصارف وابتعادها عن مشاريع التنمية التي ينبغي أن تشارك فيها، التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية، جعلها غير مشاركة بتنمية الوعي المصرفي لدى عامة الناس، كما أن انعدام المبادرات، وتوجهها لمشاريع تهريب الدولار، وعمليات غسيل الأموال، وتمويل جهات غير سلمية وتوظيف هذه الأموال بمشاريع سياسية، دفع وزارة الخزانة الأمريكية بوضع عدد كبير من هذه المصارف بالقائمة السوداء وعدم دخولها في شراء الدولار العراقي الذي يصدره الفيدرالي الأمريكي خصيصاً للعراق”.
ويلفت إلى: أن “هناك أسباب أخرى تضع المصارف بموضع المتخلف عن مستويات التقدم الذي تحرزه المصارف بالعالم، ومنها عدم تقديم الخدمات للزبائن وكذلك في عدم تقديم التسهيلات التي تشجع على اندفاع المواطن نحوها، كذلك الضعف في استخدام الاساليب الحديثة والذكية في معاملات الحجز والبيع والشراء وعدم توأمتها مع البنوك العالمية بأسلوب الفيزا كارد والماسترد كارد، والآن بدأت الحكومة بمحاولات تطبيع استخدام الفيزا كارد لدى المواطنين من خلال توطين رواتبهم المعيشية في المصارف الحكومية وبعض المصارف الأهلية الرصينة، وكذلك في إجراءات البيع والشراء باستعمال الفيزا كارد ابتداءً من شهر آذار المقبل”.

للخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي رأي آخر، حيث يرى: أن “ما طرحته السيدة رومانوسكي لم يكن غريباً وانما هو تحصيل حاصل لما أورده صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير لتقييم الوضع المصرفي بالعراق، حيث ازدادت نسبة فتح الحسابات لمودعين وليس بالضرورة لإيداعات نقدية، وذلك بسبب الاهتمام الحكومي الأخير للتحول بالتعاملات المصرفية الإلكترونية، واستخدام نظام الدفع الالكتروني باستخدام اجهزة الدفع (POS) التي لا بد لمستخدمي هذا النظام من فتح حسابات مصرفية لهم، كذلك فتح البنك المركزي المجال للمصارف بالتحويلات الخارجية، ليس من خلال منصة التحويل الخارجي فقط والتي ستنتهي تدريجياً قبل نهاية العام الحالي ٢٠٢٤ مما جعل كثير من المحولين يسارعون لفتح حسابات لهم في المصارف التي لديها علاقات مصرفية مع مصارف أجنبية مما أشّر زيادة عدد فاتحي الحسابات المصرفية”.

ويضيف الشيخلي: “الآن بدأ النظام المصرفي بالعراق يشهد إصلاح حقيقي نأمل أن يصل إلى مراحل متقدمة، من خلال زيادة منتجاته المصرفية، واستخدام أحدث الطرق التكنولوجية الحديثة، والتعامل مع شركات رقابية دولية والالتزام التام بالمعايير الدولية والتوصيات التي تصدر عنها، مما سينعكس بالتأكيد على الاقتصاد العراقي وغلق أبواب كثيرة من أوجه الفساد المالي والإداري، وعدم السماح لتسرب العملات الصعبة خاصة لجهات محظورة، والتي قد تتسبب بوصولها إلى جهات تموّل الإرهاب لأن ذلك سيساهم في تجفيف منابع تمويل الإرهاب”.

إجراءات حكومية صارمة، وعقوبات الفيدرالي الأمريكي، وعمليات المضاربة في سوق العملة، والتهريب إلى دول الجوار والفرق في سعر صرف الدولار، ربما يكون لها أثر إيجابي على المدى البعيد، ويمكن أن يتطور الواقع المصرفي إلى مستويات جيدة، إلا أن المواطن العراقي يبقى على أمل من ينتشله من أزمته الحالية ويتقدم به إلى واقع اقتصادي مستقر، أو ربما العودة إلى الوضع الذي كان عليه الواقع الاقتصادي قبل عدة سنوات على الأقل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى