“نموذج المواهب المتعددة: رؤية معاصرة لاستثمار الإبداع والابتكار لدى الطلبة الموهوبين” بقلم: أ. بدر الدوسري

هل تساءلت يومًا كيف سيكون التعليم من دون برامج تهدف إلى تطوير الطلبة الموهوبين؟ ففي الوقت الذي يشهد فيه قطاع التعليم في دول الخليج والعالم العربي تحولات متسارعة، يطرح هذا السؤال الجوهري بإلحاح: ماذا يحدث حين يغيب الاهتمام المنهجي بالطلبة الموهوبين؟ وفي حين تتسابق الدول إلى الاستثمار في العقول، تفتقر بعض الأنظمة التعليمية إلى برامج متخصصة تهدف إلى اكتشاف الموهبة ورعايتها وتطويرها، الأمر الذي يهدد بهدر طاقات بشرية ثمينة.
قبل سنوات، كان الطالب الموهوب يُقاس فقط بمعدل الذكاء، إلا أن ذلك تغيّر بعد ظهور نظرية المواهب المتعددة التي قدّمها كالفن تايلور، أحد روّاد علم النفس والإبداع، والتي تفترض أن معظم الطلبة، بنسبة تتراوح بين 85% و99%، يتفوّقون على الأقل في مجال واحد، وذلك في حال عدم الاهتمام بتنمية واستكشاف عدد كافٍ من مجالات الموهبة داخل البيئة الصفية. وقد حدّد تايلور تسع قدرات رئيسية في مجال رعاية المواهب، وهي: القدرات الأكاديمية، التفكير الإنتاجي، التواصل، التنبؤ، اتخاذ القرار، التخطيط، التنفيذ، العلاقات الإنسانية، والإدراك. إلى أن تم الاعتراف بالنموذج برنامجًا تعليميًا مفيدًا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1974، وتمت المصادقة عليه عام 1990م.
وتُعد هذه النظرية الأساس العلمي لنموذج المواهب المتعددة الذي انطلق منه هوارد جاردنر في نظريته، حيث قام بتوسيع تعريف الذكاء، وبيّن أشكالًا متنوعة من الكفاءات العقلية المتميزة، وقسّمها إلى ثمانية أنواع من الذكاءات، وهي: الذكاء اللغوي واللفظي، الذكاء المنطقي والرياضي، الذكاء المكاني والبصري، الذكاء الجسدي والحركي، الذكاء الموسيقي والإيقاعي، الذكاء التفاعلي بين الأفراد، الذكاء الشخصي الذاتي، والذكاء الطبيعي.
إضافةً إلى ما سبق، يُعد نموذج المواهب المتعددة نموذجًا تعليميًا لمهارات التفكير يُستخدم في الصفوف العادية، وهو مناسب لجميع الطلبة الموهوبين والعاديين في المراحل المختلفة. وتقوم فلسفة النموذج على أن الطلبة يمتلكون مواهب وقدرات في مجالات مختلفة، ولا يمتلك الطلبة الموهوبون الموهبة نفسها، كما يمكن الكشف عن هذه المواهب والتعرّف إليها داخل الفصل الدراسي، غير أنه لا يمكن الاعتماد على اختبارات الذكاء فقط؛ فهي وحدها لا تكفي.
وقد قامت رؤية النموذج على تمكين المعلم من تحديد وتعزيز عمليات التفكير المتعددة لدى جميع الطلبة، وتعزيز قيمة مهارات التعلم لدى المتعلمين، من أجل تنمية جميع المواهب والقدرات التي يمتلكها الطلبة، على عكس المدرسة التي تركز على الموهبة الأكاديمية فقط ولا تنظر إلى المواهب الأخرى. وقد قاد هذا النموذج إلى زيادة الفرص المتاحة أمام الطلبة لرفع مستوى الدافعية وروح المبادرة، وتنمية الشخصية المتكاملة، إضافة إلى تعليمهم التفكير بطرق متعددة.
وخلاصة القول، تكمن الإشكالية في عدم وجود آليات واضحة لاكتشاف الموهوبين في مراحل مبكرة من التعليم، لاسيما أن العملية التربوية الموجّهة للطلبة الموهوبين لا تقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل تمثل مشروعًا متكاملًا لبناء شخصية المتعلم، وصقل مهاراته، وتنمية قدراته على نحو شامل. ومن الضروري مراعاة الفروق الفردية بينهم بوصفها مدخلًا أساسيًا لتقديم تعليم نوعي يستجيب لاحتياجاتهم الخاصة. فهذه الفئة، بما تمتلكه من تنوّع في المواهب وتعدّد في القدرات، تُعد من أهم الثروات الوطنية التي ينبغي الاستثمار فيها ورعايتها، باعتبارها ركيزة من ركائز التنمية والتقدم.



