كنت مثل الكثير من الناس عندما يقرؤون سورة النمل يتعجَّب لماذا قَصَّ الله علينا قِصِّة النملة مع سيدنا سليمان عليه السلام، وما هي الحكمة الإلهية والسر في ذكر ذلك خصيصاً في القرأن، التي يراها الإنسان للوهلة الأولى أضعف المخلوقات، فظللتُ أبحث كثيراً في هذا الموضوع وخاصة الآيتين التي قال الله فيها {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (النمل-17/18)، ووصلت إلى أن هذه النملة كانت هي المسؤولة عن النمل وقيادته وتنظيمه والإشراف عليه في وادِ النمل الذي ذكره الله “وهذا تنظيم قيادي واضح” وكانت تعرف سليمان جيداً من ذكرها لاسم سليمان في الخطاب الذي استفتحته بالنداء بقول: “يَا أَيُّهَا النَّمْلُ” ثم أمرتهم بالدخول “ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ” ليتحصنوا من الجيش، ثم ذكرت سبب الدخول لحمايتهم “لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ” ثم وجَدت عذراً لسليمان وجنوده “َوهُمْ لَا يَشْعُرُونَ“، وهي عجيبة من عجائب الله عزَّ وجلَّ في مخلوقاته أن يكون هذا الإدراك والتنظيم والخطابة والقيادة والطاعة في النمل.
من هنا يتضح لنا أن مملكة النمل كمملكة النحل دقيقة التنظيم، تتنوع فيها الوظائف وتسير بنظام عجيب قد يَصعُب على البشر اتباع مثله، كما قال الله تعالى {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} (الأعلى-3) أي أرشد كل مخلوق ووجهه إلى ما يصلحه وينفعه “طبعاً واختياراً”، كالأنعام إلى مراعيها، والطيور إلى رزقها وأعشاشها، والحيوانات إلى غرائزها، والإنسان إلى مصالحه وكل طرق الخير والشر، وقد وجد العلماء أن مجتمع النمل يستجيب لأي نداء يُوجه إليه من أي نملة تُحذرهم من الخطر مهما كان نوعها بل ويُلبي النداء على الفور دون تأخير لذلك دخل النمل مساكنهم كي لا يُسحَقون تحت أقدام جيش سليمان.
ومن أجمل ما قرأت للأستاذ عبد الرشيد الوافي وهو باحث دكتوراه عندما كتب عن خصائص النمل وفَصَّلها وسأخلصها مثل:
- ذكاء النمل وقدراته: الذي ظهر في تحديد مكان سليمان وطريقه وأكد العلم الحديث أن دماغ النملة يتكون من فصين رئيسين يُشبه دماغ الإنسان.
- النمل أقوى من الإنسان: حيث أن النملة بالنسبة لجسمها تملك قوة عضلية هائلة تجعلها قادره على حمل وزن يفوق وزنها بخمسين ضعف وهو دليل خارق على القوة الهيكلية المذهلة لجسم النمل وهو ما أكده الباحثون علمياً.
- مساكن النمل: يعيش النمل تحت الأرض أو فوقها في مساكن مقسمة لحجرات مختلفة المنافع والأغراض يتم فيها تربية الصغار كالبشر، وتحتها حجرات أخرى تكون مخازن للبذور والحبوب وتتصل هذه الحجرات ببعضها البعض بنظام غريب وخاص، ويتخذ النمل خارج المنازل طرقاً غريبة تؤدي لمداخل مختلفة.
- بَقَر النمل: وهو نوع من البعوض النباتي المائل للخضرة يقنصه النمل ويرعاه لأنه يُغذيه وذلك لما يفرز من مادة لزجة عندما يدغدغه النمل بخرطومه ويستطيبها النمل كثيراً كالعسل، وقد حاول العالم (دارون) الحصول على هذه المادة بدغدغة هذا البعوض بشعره لكنه لم يفرز شيئاً فأطلق عليه نملة تدغدغه فأفرز المادة.
- مهارة النمل في الجراحة: اكتشف العلماء في البرازيل نوع من النمل يجيد الجراحة بمهارة ويُعالج جروح النمل بمناداة جنوده المختصين لضم شفتي الجرح حيث يمسكها الجنود فيخيطها الجرَّاح بواسطة خيوط يفرزها من تلقاء نفسه.
- مقبرة النمل: يدفن النمل موتاه في مقبرة خاصة وذلك برفع بعض النمل الجثة بخراطيمه ليسير بها بقية النمل في موكب كبير إلى هذه المقبرة التي يتم فيها دفن الموتى.
- النمل فلاَّح ماهر: أن للنمل حدائق يزرعها ويجني ثمارها التي لا يجدها في كل مكان وله إصطبلات يحرس فيها بقر النمل التي يحتلب عسلها اللزج، وهناك نوع من النمل يسمى “قاطع الورق” يتم ذلك بمقص فمه الحاد ويحمل الورق لعشه ويمضغه ليصبح كالعجين ثم يفرشه على الأرض، بل وإن بعض النمل يبحث عن المشروم في الحقول ليزرعه في أرضه.
- جمع المواد الغذائية وتخزينها: فهي تقضم البذور قبل تخزينها كي لا تنبت مرة أخرى وتقطيع بعض البذور إلى أربع قطع خاصة التي تنبت من نصفين، وإذا تبللت البذور من مياه الأمطار يتم إخراجها للهواء والشمس لتجف ولا تنبت مرة أخرى.
- تربية الصغار: عندما تبيض ملكة النمل، تحمل العاملات التي حولها البيض بأفواهها لمكان دافئ مجهز مسبقاً وتصنف البيوض حسب حجمها في صفوف، ومتى ما خرج النمل الصغير من البيوض تضعها العاملات على شكل دائرة وتجعل رؤوسها لخارج الدائرة ليسهل عليها تغذيتها، وفي المناطق الاستوائية يؤخذ النمل الصغير لخارج الوكر لتعريضه للشمس والهواء الطلق والتنزه، ويبالغ النمل المسؤول عن تربية الصغار في تنظيف الوكر ووضع بعض الإسفنج يصنعه من المواد الناعمة لتنظيف أفواه النمل الصغير وخراطيمه عند اتساخ خراطيمه بالوحل.
كل ذلك يرشدنا نحن البشر إلى عظمة الخالق والتصميم الإبداعي في خلق هذه الكائنات الصغيرة في حجمها الكبيرة في أدائها بتناغم وتنسيق رباني يدعو للتفكر في عظمة الخالق وحكمته البالغة وإبداعه المطلق في هذا النوع من الحيوانات الدقيقة.

